من الذي جعل علي الزيدي رئيساً لوزراء العراق؟

إنّ تغيير الخيارات الرئيسية لرئاسة الوزراء بشخص غير معروف في الساحة السياسية العراقية، بضغط من الأمريكيين، أظهر مرة أخرى ضرورة إغلاق السفارة الأمريكية كعامل رئيسي لتنفيذ ضغوط وأوامر واشنطن ضد العراق أكثر من أي وقت مضى.

وكالة مهر للأنباء: أخيراً، وبعد أسابيع من الصراع الداخلي بين الأحزاب الأعضاء في “الإطار التنسيقي”، تم تقديم علي الزيدي كمرشح نهائي لرئاسة الوزراء من قبل هذا التحالف إلى البرلمان، وكلفه الرئيس العراقي نزار أميدي رسميًا بتشكيل الحكومة الجديدة. يعتبر علي الزيدي شخصية اقتصادية ومستثمر ورئيس بنك “جنوب العراق”، ولم يشغل من قبل أي منصب سياسي أو حكومي. يثير عدم وجود سجل سياسي للزيدي تساؤلات جدية حول عملية اختياره. للإجابة على هذا السؤال، يجب الانتباه إلى التطورات الأخيرة المتعلقة بهذا البلد خارج العراق.

في كانون الثاني 2026 م، عندما أعلن “الإطار التنسيقي” رسمياً نوري المالكي كمرشح لرئاسة الوزراء، نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نصاً على “تروث سوشيال” رداً على هذا الاختيار، مفاده أنه في حال انتخاب المالكي، فإن الولايات المتحدة الأمريكية لن تساعد العراق بعد الآن. رداً على هذا السلوك، وصف المسؤولون العراقيون هذا الإجراء بأنه “تدخل أمريكي سافر في الشؤون الداخلية للعراق” و”انتهاك للسيادة الوطنية”؛ ولكن في النهاية، أتى ضغط واشنطن بثماره، واضطر تحالف الشيعة العراقيين إلى اختيار شخص آخر. أظهرت هذه المسألة أنّ تغريدة من مسؤول أجنبي تمكنت من تغيير المسار السياسي لبلد ما. ولكن وراء هذه التغريدة يكمن هيكل سياسي مهم يقع في قلب بغداد. هذا الهيكل هو السفارة الأمريكية التي تبلغ مساحتها 420 ألف متر مربع (تقريباً بحجم الفاتيكان وخمسة أضعاف أكبر السفارات الأمريكية الأخرى في العالم)، بتكلفة بناء بلغت 750 مليون دولار وأكثر من 16 ألف موظف ومتعاقد (حتى عام 2012م)، وهي أكثر من مجرد تمثيل دبلوماسي عادي. هذه السفارة هي “قاعدة عمليات ومركز قيادة” ويشار إليها كمركز للهندسة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأمريكية في العراق. يتيح الاتصال المباشر بين مراكز صنع القرار في بغداد وواشنطن عبر هذه السفارة للولايات المتحدة التدخل مباشرة في اللحظات السياسية الحساسة وتنفيذ السيناريو المفضل لديها، وهو ما ظهر بوضوح في قضية اختيار رئيس الوزراء العراقي. ولكن كل هذه المسائل تُفهم بشكل أفضل عندما تتضح أهمية العراق بالنسبة لأمريكا.

العراق بالنسبة لأمريكا ليس بلداً عادياً بل هو رقعة شطرنج جيوسياسية كاملة. إن الموقع الاستراتيجي لهذا البلد، بجوار إيران وسوريا والمملكة العربية السعودية والخليج الفارسي، جعله النواة المركزية لحسابات واشنطن الأمنية. بالإضافة إلى السيطرة على موارد النفط والغاز العراقية، هناك هدفان استراتيجيان آخران يكمنان في هذه اللعبة؛ أولاً، حماية أمن إسرائيل، وثانياً، منع إضعاف “جبهة المقاومة” بقيادة إيران وقطع الرابط الجغرافي بين طهران والبحر الأبيض المتوسط عبر العراق وسوريا.

لكن هذه المسألة لا تنطبق على العراق فقط، فكلما حاولت حكومة العمل بشكل مستقل عن إرادة واشنطن، نشطت السفارة الأمريكية (أو “مركز العمليات”) وأسقطت أو غيرت الحكومة “العصية”. في هذا المسار، استخدمت أدوات مثل الضغط السياسي والعقوبات الاقتصادية المشلّة (مثل إيران وروسيا وفنزويلا) إلى الانقلابات المباشرة وغير المباشرة (مثل تشيلي عام 1973م وهندوراس عام 2009م). حول صحة هذا الافتراض، يمكن الإشارة إلى تصريحات جون نيغروبونتي، أول سفير أمريكي في العراق بعد احتلال عام 2003م، الذي قال قبل نهاية مهمته مازحاً لأحد القادة السياسيين العراقيين: هل تعلم لماذا لا تحدث انقلابات في أمريكا؟ وأجاب على ذلك قائلاً: “لأن أمريكا ليس لديها سفارة في واشنطن.” اعتراف صريح من دبلوماسي أمريكي رفيع المستوى يقول: طالما توجد سفارة أجنبية في بلدك تتمتع بالقدرة العسكرية والمالية والاستخباراتية لقوة عظمى، فلن تكون مستقلاً أبداً.

نتيجة لذلك، إذا كان العراق يسعى إلى استعادة استقلاله السياسي والاقتصادي، فمن الضروري إغلاق أهم عقبة أمام تحقيق ذلك، وهي السفارة الأمريكية في العراق.